محمد متولي الشعراوي
2970
تفسير الشعراوى
أي اجعلوا اللّه دائما على بالكم ؛ فالإنسان يملك في حالته الطبيعية نشاطا يمكنه أن يقوم ويقعد ؛ فإن قيل : « قام فلان بأمر القوم » أي أنه بذل كل جهد لإدارة أمور الناس ، والقيام في حركات الناس أصعب شئ . وسبحانه لا يريد منا أن نكون قائمين فقط ؛ بل يريد أن نكون قوامين . وما دمنا قوامين فلن تخلو لحظة من قيامنا أن نكون للّه ؛ للّه توجها . لا نفعا ؛ لأن أية حركة من أي عبد لا تفيد اللّه في شئ ؛ فاللّه خلق خلقه بمجموع صفات الكمال فيه ، ولم ينشئ خلقه له صفة جمال أو كمال جديدة . وعندما يؤدى الإنسان أي عمل للّه فهو يؤديه طاعة وتقربا للّه . وإذا أراد اللّه من المؤمنين أن يكونوا قوامين للّه ، عندئذ تكون كل حركات المجتمع الإيمانى حركات ربانية متساندة متصاعدة . وإذا كانت حركات المجموع الإيمانى متساندة فسوف تكون النتيجة لهذه الحركة سعادة البشرية ؛ فالإنسان إذا ما كان قواما فهو قوام لنفسه وللآخرين . والمراد أن نكون مداومين على قيامنا في كل أمر للّه . ولا تعتقد أيها المؤمن أنك تعامل خلق اللّه ، إنما تعامل اللّه الذي شرع لك ليضمن لك ويضمن منك ، فأنت إن طولبت بالأمانة ، فقد طولب كل الناس بالأمانة فيما هو خاص بك لا بغيرك ، وحين ينهاك اللّه عن الخيانة فقد أمر الحق الناس جميعا بالانتهاء عن الخيانة لك . إذن إن نظرت إلى تكليفات اللّه لوجدتها لصالحك أنت . فلا يظنن ظان أن الدين إنما جاء ليقف أمام نفسه هو ، فالدين وقف أمام النفس لدى الناس جميعا ، فحين يأمرك : ألّا تمد يدك إلى مال غيرك فأنت واحد من الناس ، وفي هذا القول أمر موجه لكل الناس : لا تمدوا أيديكم إلى مال فلان لتسرقوه . فانظر إلى أن الحق حين شرع عليك شرع لك . ولذلك يجب أن يكون كل قيامك للّه سبحانه . ولذلك يظهر الحق سبحانه وتعالى في بعض خلقه أشياء وأحداثا تفهم الناس أن الذي يعمل لخلق اللّه مسلوب النعيم ، والذي يعمل للّه يكون موصول النعيم ؛ فنجد الواحد من الناس يقول : « لقد فعلت لفلان كذا وكذا وكذا وأنكرني » . نقول له : أنت تستحق لأنك صنعت له ، ولكنك لو صنعت للّه لكفاك اللّه كل أمر . ولذلك يقول الحق عن هؤلاء الذين صنعوا للّه : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ( من الآية 30 سورة آل عمران )